في كتابها البكر
"أعدك سأتخطى"، تفتتح الروائية التونسية سارة السباعي مساراً أدبياً
واعداً، مقدمةً روايةً لا تكتفي بكونها سرداً لقصة عاطفية، وإنما "بيان
استقلال" شعوري ونفسي لكل من ذاقت نفسه مرارة الخذلان. الكتاب الصادر عن دار
"أبجديات للنشر" بتونس، يحمل بين طياته روحاً متمردة، ترفض الانكسار وتختار
المواجهة كطريق وحيد للخلاص.
المماطلة والهشاشة والميثاق
الغليظ
تبدأ الرحلة من
العنوان الجريء "أعدك سأتخطى"، الملحق بعبارة تحدٍّ لافتة: "وليس
بوعد رجل". هذه العبارة ليست مجرد مقارنة جندرية، بل هي استحضار للموروث
الثقافي الذي قد يرى في وعود الرجال أحياناً نوعاً من المماطلة أو الهشاشة، لتؤكد
الكاتبة أن "وعد الأنثى" هنا هو ميثاق غليظ مع الذات، نابع من أقصى
درجات الألم والقوة معاً. أما الإهداء، فيكشف عن البعد الإنساني العميق للرواية؛
فهو موجّه إلى الأحلام التي تعثّرت، وإلى القلوب التي أحبّت "بغزارة" ثم
اصطدمت بصخرة الواقع.
تمتاز اللغة بشاعرية
قاسية أحياناً، حيث تصف الكاتبة عملية نسيان المحبوب وكأنها "انتزاع من
الأحشاء" أو "تقيؤ لآخر ذكرى". لا تقدّم سارة السباعي وصفة سحرية
وسهلة للنسيان، بل تصوّر المعركة الحقيقية التي تخوضها البطلة مع ذاكرتها. استخدام
استعارة "الزهايمر" في السياق العاطفي كان لافتاً؛ فالذاكرة هنا تتحول
إلى عدو، والنسيان يصبح هو "الدواء" الذي يجب تجرعه لاستعادة الكرامة.
الرواية تسلط الضوء على لحظة "الاستفاقة"؛ تلك اللحظة التي تقرر فيها
الأنثى أن كرامتها، التي كانت في "سبات شتوي"، قد استيقظت لترد لنفسها
الاعتبار.
القلم الأزرق العنيد
تعتمد السباعي على
لغة وجدانية مكثفة، تمزج بين البوح السير-ذاتي وبين التخييل الروائي. يظهر في
ثنايا النص "القلم الأزرق العنيد" الذي تصفه في مقدمتها، وهو القلم الذي
جف مراراً ليعود الآن ويسطر وجعاً طويلاً. الكلمات في الرواية ليست مجرد أدوات
وصف، بل هي شظايا من المشاعر؛ نجد كلمات مثل "الحطام المنسي"،
"الركام"، و"الرماد"، وهي مفردات تعكس حجم الدمار الداخلي
الذي يسبق مرحلة "التخطي".
"أعدك
سأتخطى" هي دعوة للمصالحة مع الذات بعد الانكسار. هي رواية عن
"النسيان" ليس كحالة سلبية أو ضعف في الذاكرة، بل كفعل إرادي وقوي.
تخبرنا الكاتبة أن الرحيل الحقيقي ليس هو الابتعاد الجسدي، بل هو أن يصبح الطرف
الآخر "نسياً منسياً"، وأن تخلع المرأة أثواب الوجع لترتدي ثوبها الجديد
"النسيان".
الكتابة دواء
يمثل هذا العمل إضافة هامة للأدب النسوي المعاصر في تونس والعالم العربي، حيث نجحت سارة السباعي في صياغة صرخة وجدانية تحول الضعف إلى قوة، وتجعل من الكتابة وسيلة للتشافي. "أعدك سأتخطى" ليست مجرد رواية تقرأ، بل هي تجربة شعورية تخاطب كل من يبحث عن ضوء في نهاية نفق الخيبة، وتؤكد أن الكرامة حين تعود، لا تترك خلفها مكاناً للالتفات إلى الوراء.
وليد بن أحمد
كاتب من تونس

إرسال تعليق